
الرواية الصهيونية في أزمة
فهد شاكر أبوراس
تشكل الرواية الإعلامية في الصراعات الحديثة عصب المواجهة ومرتكزها الأَسَاسي؛ فهي ليست مُجَـرّد انعكاس للواقع الميداني، بل أدَاة فاعلة في تشكيل الوعي وصياغة القناعات وحشد التأييد الداخلي والدولي.
وفي قلب هذه المعادلة تقف الرواية الصهيونية التي ظلت لعقود نموذجًا يُحتذى في الهندسة الإعلامية والتحكم في السردية، مدعومة بآليات هائلة وتماسك غربي غير مسبوق.
غير أن المشهد الراهن يشهد تحولًا جوهريًّا يمثل نقطة فاصلة في مسار الصراع، حَيثُ تتآكل ثوابت هذه الرواية تحت وطأة تناقضاتها الداخلية وتصادمها مع حقائق الميدان المتغيرة، وصعود روايات مضادة قائمة على الصمود والشفافية.
لطالما اعتمدت الآلة الإعلامية الصهيونية على استراتيجيات متطورة للسيطرة على السردية؛ فهي لا تعمل كمرآة عاكسة بل كـ”كلب حراسة” مخلص للمؤسّستين السياسية والعسكرية، بما يضمن انسيابية تامة بين الخطاب الرسمي والخطاب الإعلامي، ويُنشئ واجهة متجانسة تبدو للعالم الخارجي كصخرة صلبة لا تشقها الشكوك.
وقد جرى تحصين هذه الرواية بسياج قانوني صارم، تمثل في قوانين مثل “قانون غيسو” الذي يحظر أي نقاش نقدي جاد حول الرواية الرسمية للهولوكوست، معاقبًا حتى مُجَـرّد إعادة النظر أَو التشكيك، بوصف ذلك جريمة ضد الإنسانية.
وقد أسكت هذا القوانين الأصوات النقدية داخليًّا وخنق أية محاولة لقراءة تاريخية موضوعية.
كما وظفت (إسرائيل) الذاكرة التاريخية والمأساة اليهودية في الحرب العالمية الثانية كدرع أخلاقي يحصنها من النقد المشروع، ويربط وجودها بشكل قدري لا يقبل الجدل بذاكرة المحرقة، مموِّهة بذلك طبيعتها الاستعمارية الاستيطانية ومقدمة نفسها كضحية دائمة.
وهو ما ضمن لها لفترة طويلة دعمًا غربيًّا غير مشروط وتعاطفًا عالميًّا.
لكن هذه الصورة المصطنعة بدأت تتصدع.
فالمؤشرات الداخلية في الكيان الصهيوني ذاته تظهر تراجعًا كَبيرًا في الثقة بقدرة هذه الرواية على تحقيق النصر أَو حتى تفسير الواقع.
فاستطلاعات الرأي تكشف عن انهيار مطرد في ثقة الجمهور بمؤسّساته، حَيثُ انخفضت نسبة الصهاينة المؤمنين بقدرة جيشهم على “تحقيق نصر حاسم” من 92 % في الأيّام الأولى للحرب على غزة إلى ما دون 78 % بعد أشهر قليلة فقط.
وهو تراجع يعكس ليس فقط خيبة الأمل العسكرية، بل شرخًا عميقًا في المصداقية الرسمية.
فبعد شهور من الوعود المتكرّرة بـ”سحق حماس” و”تحرير الأسرى” و”إعادة الأمن”، يجد المواطن الإسرائيلي نفسه أمام واقع مرير: مقاومة لم تُسحق بل أعادت تنظيم صفوفها، وأسرى لم يتحرّروا بل تزايدت أعدادهم، وأمن لم يتحقّق بل امتدت النيران إلى يافا وحيفا من جبهات الإسناد، وأصبحت المستوطنات نفسها أمام تهديد مباشر.
هذا التناقض الصارخ بين الوعد والواقع دفع 64 % من الإسرائيليين إلى الاعتقاد بأن قرارات الحرب لا تُتخذ بناءً على اعتبارات أمنية موضوعية بحتة، بل تخضع لحسابات سياسية ضيقة وتوازنات حزبية، فيما لا يثق 56 % منهم بأن القرارات المتعلقة بملف الأسرى تتم بصورة موضوعية، وهو ما يؤكّـد تنامي وعي داخلي بتلوث الرواية الرسمية وارتهانها لمصالح فئوية.
ولعل العامل الأكثر إيلامًا للرواية الصهيونية هو انكشاف احتكارها الإعلامي أمام قوة الوسائط الجديدة.
فلم تعد وسائل الإعلام التقليدية قادرة على فرض رواية أُحادية في عصر انفجار المعلومات، حَيثُ أصبح هاتف محمول في يد ناشط في غزة قادرًا على كسر كُـلّ جبروت الآلة الإعلامية الصهيونية.
فالصور والفيديوهات المسربة التي تظهر الدمار الهائل والخسائر البشرية المروعة بين المدنيين، أَو تلك التي توثق عمليات المقاومة لحظة استهداف الآلة العسكرية الصهيونية في الصميم، نجحت في تحريك الرأي العام العالمي، وكشفت التناقض الصارخ بين خطاب “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم” وواقع قتل المدنيين والتدمير المنهجي للبنى التحتية.
لقد تحوّل الفضاء الإلكتروني إلى شاهد عالمي على الجريمة، ولم تعد القوانين التي تحظر “إنكار الهولوكوست” قادرة على منع الناس من رؤية هولوكوست جديدة تُرتكب بحق الفلسطينيين أمام أعينهم.
وفي المقابل، برزت نماذج مضادة للرواية الصهيونية تقدم دروسًا في إدارة الإعلام خلال الصراع، وأبرزها نموذج الجبهة الداخلية اليمنية.
فبينما تعتمد الرواية الصهيونية على التضليل والرقابة، بنى اليمن روايته على ركيزتين أَسَاسيتين: التماسك الداخلي والشفافية الجزئية.
فقد أعطى صمود الشعب اليمني وتماسكه أمام أعتى تحالف عدوان دولي مصداقية غير مسبوقة للخطاب اليمني، حتى غدت المقولة “نحن نقول ونفعل” شعارًا واقعيًّا.
فالإعلان عن العمليات العسكرية ضد أهداف العدوّ في البحر الأحمر والبحر العربي وخليج عدن، والضربات الصاروخية في عمق الكيان، كان دائمًا مصحوبًا بأدلة ملموسة وبيانا
ت تفصيلية تعزز المصداقية.
هذه السياسة الإعلامية المتوازنة بين الإعلان عن الإنجازات والحفاظ على السرية التشغيلية نجحت في بناء ثقة عميقة مع الجمهور المحلي.
وفي الوقت ذاته، استطاع اليمن توظيف الإعلام كسلاح نفسي فعال، حَيثُ ساهمت المقاطع المصورة للإنجازات العسكرية والخطابات الواضحة في كسر هيبة العدوّ وتعرية ضعفه وإجباره على التكيف مع رواية جديدة لم يكن يتوقعها.
الخاتمة التي يمكن استنتاجها من هذا التحول الجوهري هي أن إدارة الرواية الإعلامية في الصراعات لم تعد تعتمد على القوة النارية أَو الاحتكار الإعلامي فحسب، بل على الحقائق الميدانية القابلة للتحقّق.
فالشعوب لم تعد سلبية تتلقى الرواية الرسمية بشكل أعمى، بل أصبحت قادرة على المقارنة والتحليل.
لذلك، فإن أي رواية تقوم على الوعود الكاذبة والإخفاء والرقابة المفرطة مصيرها الانهيار، كما انهارت رواية الولايات المتحدة في فيتنام بعد مجزرة ماي لاي، بينما تنجح الروايات التي تقترن بالشفافية المعقولة والواقع الملموس.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة معركة لا تقل أهميّة عن ساحة القتال، والقدرة على فهمها وتوظيفها أضحت ضرورة استراتيجية لأي طرف في الصراع.
إن سقوط الرواية الصهيونية ليس مُجَـرّد انتصار إعلامي للمقاومة، بل هو إعلان عن ولادة عصر جديد لم يعد فيه التلاعب بالوعي الجمعي ممكنًا كما كان في الماضي.