«أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ»… تهيئة بيوت الله وطهارة القلوب معركة وعي واستنهاض أمة استقبالًا لشهر رمضان المبارك

بقلم / فيصل أحمد الهطفي

مع اقتراب نفحات شهر رمضان المبارك، يرتفع النداء الإلهي عاليًا في وجه الغفلة والتخاذل: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾، نداءٌ قرآني ثوريٌّ في جوهره، يعلن أن بيوت الله لا تُهيّأ بالفرش والماء وحدهما، بل تُهيّأ بالوعي، وتُطهَّر بالموقف، وتُعمَّر بالإيمان الحيّ المجاهد. إن المساجد لم تكن يومًا أماكن للركون والحياد، بل كانت ـ ولا تزال ـ ساحات بناء الإنسان، ومنطلق الوعي، ومراكز صناعة الموقف في مواجهة الطغيان والهيمنة.
ففي بيوت الله تُقام الصلوات والعبادات، وتُتلى آيات القرآن الكريم، ويُقام البرنامج الرمضاني الذي لا يكتفي بتزكية الفرد، بل يصنع أمة واعية، ويُخرِج الإنسان من دائرة الاستضعاف إلى ساحة المسؤولية، ويزرع البصيرة في مواجهة الحرب الناعمة،ودعوات التطبيع، ويكشف زيف التضليل، ويؤسس لمشروع الوعي والجهاد والمقاومة في وجه الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، وأدواتها من المنافقين والخونة من العجم والعرب.
ومن هذا المنطلق، تأتي حملة «أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ» التي تقودها الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد في اليمن على مستوى الجمهورية، بوصفها فعلًا إيمانيًا ثوريًا ورسالة استنهاض، لا مجرد نشاط تنظيمي موسمي. إنها حملة تعيد للمسجد مكانته الطبيعية: قلعة إيمان، ومنبر وعي، وحاضنة للموقف الحق، وتجعل بيوت الله جاهزة للعبادة دائمًا، وخصوصًا مع استقبال شهر رمضان المبارك، ليكون شهرًا للتغيير لا للتكرار، وللمسؤولية لا للاستهلاك.
إن تنظيف المساجد وتهيئتها هو إعلان انحياز صريح لقيم الطهارة والصدق والانتماء، ورسالة تقول إن هذه الأمة ما زالت حيّة، تعي قدسية بيوت الله، وتدرك أن من يُفرّط في المسجد يُفرّط في هويته، ومن يُهمِل بيت الله يفتح الأبواب للغزو الفكري والانحراف القيمي. فالتهيئة ليست شكلًا، بل موقف، وليست مظهرًا، بل هوية.
ولا يكتمل تطهير بيوت الله دون تطهير القلوب من الخضوع للباطل، ومن الاستسلام للهيمنة، ومن الصمت على الظلم. إن استقبال شهر رمضان المبارك يفرض علينا توبةً واعية، وعودةً صادقة إلى الله، وقطعًا مع كل أشكال اللامبالاة، وإحياءً لروح المسؤولية، لتكون العبادة فعلًا حيًا يُحرّك الأمة، لا طقسًا معزولًا عن الواقع.
وقد ربط القرآن بين عمارة المساجد والإيمان الصادق، فقال تعالى:
{إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ} (التوبة: 18)
فعمارتها اليوم تعني حمايتها من التفريغ، وتجهيزها لتكون منابر وعي، ومساحات تربية، ومراكز مواجهة فكرية وثقافية في زمن الاستهداف الشامل. وهنا يتجلّى الدور المركزي للهيئة العامة للأوقاف والإرشاد في قيادة هذه الحملة الوطنية، وتوحيد الجهد الرسمي والمجتمعي، لضمان جاهزية المساجد لاستقبال شهر رمضان المبارك بروح المسؤولية والالتزام.
وتدعو حملة «أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ» جميع أفراد المجتمع إلى المشاركة الفاعلة في تنظيف وتهيئة بيوت الله استقبالًا لشهر رمضان المبارك، باعتبار ذلك شرفًا وعبادة وموقفًا. فكل يدٍ تُسهم في التهيئة تُسهم في صناعة الوعي، وكل جهدٍ يُبذل في خدمة المسجد هو سهم في معركة الهوية والكرامة.
وقبيل أن يهلّ علينا شهر رمضان المبارك، لنجعل من شعار «أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ» صرخة وعي، ومنهج حياة، ومسؤولية جماعية؛ نطهّر المساجد لتبقى منابر للهداية، ونطهّر القلوب لتبقى حرة، واعية، رافضة للهيمنة، ثابتة على الحق، ومستعدة لشهرٍ يُراد له أن يكون شهر عبادة ووعي وجهاد وبناء أمة.

مقالات ذات صلة