
غزة.. المدينة المحاصرة بين الموت والصمود
شاهر أحمد عمير
هنا غزة.. المدينة المحاصرة بالموت من كُـلّ اتّجاه. لم يعد الجوع مُجَـرّد صرخة في بطون الأطفال، بل تحول إلى شبح يلتهم أرواح الأبرياء واحدًا تلو الآخر.
في غزة اليوم، لا تُقاس الكارثة بعدد الشهداء ولا بكمية الركام، بل بعمق الجرح المفتوح الذي يعيشه شعب أعزل يواجه أعتى آلة حرب في العالم.
ما يحدث ليس مُجَـرّد حرب عابرة، بل مشروع ممنهج يراد به تركيع غزة، واجتثاث روح المقاومة من قلبها، وتقديمها كرسالة تخويف لبقية شعوب المنطقة.
الحصار الطويل لم يكن مُجَـرّد تضييق على الغذاء والدواء والكهرباء، بل أدَاة حرب نفسية وسياسية هدفها تحطيم إرادَة الإنسان الفلسطيني وتحويل حياته اليومية إلى صراع بقاء.
ومع ذلك، بقيت غزة شوكة في حلق الاحتلال الإسرائيلي، وميدانًا يثبت أن الشعوب لا تُخضع بالقوة مهما كان حجم الدمار.
الحرب الأخيرة وما سبقها من اعتداءات تكشف أن العدوّ يراهن على القتل والتجويع لإخضاع الفلسطينيين، لكنه في كُـلّ مرة يصطدم بصمود أعظم يربكه ويفشل حساباته.
الجانب الإنساني يفوق الخيال.
آلاف الشهداء والجرحى، عائلات تُباد بصواريخ غادرة، أطفال يبحثون عن ماء فلا يجدون، وأُمهات ينقبن في الأنقاض عن فلذات أكبادهن.
المرضى يموتون لانقطاع الكهرباء ونفاد الدواء، ومع ذلك تبقى الوجوه شامخة تحمل إيمانًا راسخًا بأن الغد سيكون أفضل مهما اشتد الظلام.
لقد تحولت غزة إلى شاهد صارخ على عجز المجتمع الدولي وازدواجية معاييره؛ فبينما تهتز العواصم الكبرى لحروب أقل حجمًا، تُترك غزة وحدها تواجه مصيرها وسط وعود دولية جوفاء.
المأساة في جوهرها سياسية.
الدعم الأمريكي المفتوح بالسلاح والمال والتغطية السياسية يمنح الاحتلال الضوء الأخضر لمواصلة جرائمه، فيما تقف القوى الغربية شريكًا في العدوان، رافعة شعارات حقوق الإنسان بوجه ومغمضة أعينها عن المجازر بوجه آخر.
أما الأنظمة العربية، فاختارت الصمت أَو الاندماج في مسار التطبيع، لتنتقل من موقع المدافع عن فلسطين إلى موقع الشريك غير المباشر في حصارها.
غزة اليوم ليست مُجَـرّد بقعة جغرافية، بل مقياس لصدق الانتماء للأُمَّـة.
من يقف معها يقف مع العدل والكرامة، ومن يتخلى عنها يضع نفسه في خانة المتواطئين مع المشروع الصهيوني.
إن الموقف من غزة لم يعد خيارًا سياسيًّا، بل عنوانًا للهُوية والالتزام بالمبادئ.
وهنا يبرز دور القادة الأحرار الذين يضعون القضية الفلسطينية في قلب خطابهم، وعلى رأسهم السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، حفظه الله، الذي يؤكّـد أن غزة ليست قضية محلية، بل جزء من معركة الأُمَّــة كلها، وأن الدفاع عنها دفاع عن كرامة الأُمَّــة بأسرها.
إن غزة تُحاصر اليوم بالنار والجوع والموت، لكنها بالمقابل تحاصر العدوّ بالخوف والقلق والفشل.
كُـلّ بيت يُهدم يتحول إلى شاهد على عجز آلة الحرب، وكل شهيد يسقط يكتب بدمه فصلًا جديدًا في سجل البطولة.
غزة لم تعد مُجَـرّد مدينة محاصرة، بل مدرسة للأحرار، تعلّم العالم معنى التضحية والصمود، وتعيد بوصلة الأُمَّــة نحو وجهتها الحقيقية: فلسطين.
الخلاصة أن غزة، رغم حصارها وآلامها، تظل عنوانًا للصمود، وحصنًا أمام مشروع الاستسلام المفروض على المنطقة.
الوقوف معها ليس واجبًا وطنيًّا أَو إنسانيًّا فحسب، بل هو أَيْـضًا واجب أخلاقي وديني يمتحن صدق الانتماء وقوة المبادئ.
غزة اليوم، وهي تواجه الموت بألف وجه، تصرخ في ضمير الأُمَّــة: لا تتركوني وحدي، فمعركتي معركتكم، وصمودي صمودكم، وانتصاري انتصاركم جميعًا.