الأخبار المحليةالمقالاتتقارير خاصهتقارير وحواراتثقافةصحافةصحافة محليةكتابات

العلاقات السعودية-اليمنية من الحديقة الخلفية” إلى الحصار البحري. قراءة في تحولات المشهد اليمني

✍️ بقلم: محمد العاقل

تُمثل العلاقات اليمنية-السعودية واحدة من أكثر العلاقات الإقليمية تعقيداً واشتباكاً في المنطقة، إذ لم تقتصر على البعد الجغرافي فحسب، بل تشعبت لعقود لتطال ملفات السيادة والاقتصاد والأمن القبلي والهجرة واللجان الخاصة، ما جعلها رهينة لتقلبات حادة فرضتها تحولات داخلية وإقليمية ودولية متلاحقة.

يرى محللون مرموقون أن السياسة السعودية تجاه اليمن، في محطاتها المختلفة، استندت إلى مبدأ حيوي مفاده منع تحول اليمن إلى قوة إقليمية قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى على تخومها الجنوبية. ومن هنا، تداولت الأوساط السياسية توصيفات لاذعة مثل “الحديقة الخلفية” للمملكة، تجسيداً لعمق الهيمنة السياسية والاقتصادية التي مارستها الرياض في الداخل اليمني على مدار عقود.

لكن هذا المشهد انقلب رأساً على عقب مع اندلاع الحرب السعودية الغاشمة على اليمن عام 2015، تحت ذرائع واهية، حيث تحولت العلاقة من آليات النفوذ الناعم إلى مواجهة عسكرية شاملة، لتغرق المنطقة في أزمة إنسانية وسياسية هي الأعنف في تاريخها الحديث.

ومع تواصل العدوان السعودي على اليمن، برز ملف الحصار البري والبحري والجوي كأحد أخطر ملفات الصراع وأكثرها إثارة للجدل. فبينما تذرعت السعودية وتحالفها بإجراءات التفتيش والقيود المفروضة لمنع تهريب الأسلحة وضمان الأمن الإقليمي، تكشف الوقائع أن تلك الإجراءات تحولت إلى حصار خانق أطاح بحركة التجارة والوقود والمواد الغذائية الأساسية، مخلفاً تداعيات كارثية على الوضعين الإنساني والاقتصادي في اليمن، في مشهد لا يختلف عن حرب الإبادة والتجويع الممنهجة.

واليوم، وبعد عقد من الصراع، تقف المنطقة أمام معادلة مغايرة جذرياً لما كانت عليه قبل 2015. فقد انقلبت موازين القوى، وتفككت التحالفات، وفرضت المعطيات الميدانية والسياسية حقائق جديدة لم تكن في الحسبان، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب إقليمي أكثر تعقيداً وتشابكاً.

ويظل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل حققت الحرب أهدافها المعلنة؟ أم أنها أنتجت واقعاً مغايراً بالكامل لم تتوقعه أي من الأطراف؟

وهل يمكن للعلاقة اليمنية-السعودية أن تنهض من جديد على أسس الاحترام المتكافئ والمصالح المشتركة، بعيداً عن منطق الوصاية والصراع؟

إن مستقبل اليمن والسعودية لا تُحدده وحدها ذاكرة الصراع، بل تصنعه أيضاً إرادة السلام الجاد وتسليم الحقوق واعادة الاعمار وجبر الضرر، من اجل القدرة على بناء علاقات مستقرة تصون السيادة الوطنية، وتعزز الأمن المشترك، وتفتح آفاقاً حقيقية للتنمية والازدهار لشعوب المنطقة.

ويبقى التاريخ شاهداً لا يُشطَب: العلاقات بين الدول لا تُقاس بقوة النفوذ، بل بقدرتها على إقامة شراكات عادلة ومستدامة؛ وأن أي علاقة لا تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح الحيوية المتكافئة، مصيرها الاهتزاز، مهما تطاول عمرها.

مقالات ذات صلة