السيد القائد: قواعد لحماية الأنظمة أم أنظمة لحماية القواعد

قدّم السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- تشريحًا دقيقًا لحالةٍ نفسية وسياسية معقدة تعيشها بعض الأنظمة العربية، وهي حالة تتجاوز مجرد التحالف السياسي أو في إطار المصالح الاقتصادية المشتركة، لتصل إلى ما يمكن تسميته بسيكولوجية التبعية المطلقة.

حالةٌ وصفها السيد القائد في خطابه مساء الخميس؛ بأنها وصلت لمستوى أن يكون الحكام والزعماء العرب، الذين يعتبرون أنفسهم كبارًا، مجرّد “جنود صغار للمجرم نتنياهو وبن غفير”؛ تعكس سقوطًا مدويًّا لمفهوم السيادة الوطنية أمام سياسة التوريط والابتزاز وبريق الوعود الأمريكية الزائفة.

بعض الأنظمة العربية سوّقت لشعوبها، ولسنواتٍ طويلة؛ بأن القواعد الأمريكية هي صمام أمان لبقائها، لكن السيد القائد اليوم، يكشف زيف هذا الادعاء، حين أوضح أن تلك القواعد لا تحمي الأنظمة ولا البلدان، وإنّما وُجدت حصرًا لـ “حماية العدو الإسرائيلي والاعتداء على أبناء هذه الأمة”.

والمفارقة هُنا هي انعكاس الأدوار، والتي اتضحت خلال العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران؛ فبدلاً من أن توفر القواعد الحماية للأنظمة، أصبح لزامًا على الأنظمة أن تسخر جيوشها وإمكاناتها لحماية تلك القواعد، وهذا الاستلاب الوظيفي يحول هذه الدول من كيان ذي سيادة إلى مجرد مترس متقدّم يحتمي به العدو في مواجهة صواريخ ومسيّرات الجمهورية الإسلامية.

ويكشف السيد القائد عن جانبٍ مظلم من العلاقة مع كيان العدو الصهيوني، حيث يعمد العدو إلى استهداف مصالح حلفائه العرب المطبعين لجرهم قسرًا إلى مواجهة مع إيران، وهُنا تبرز سيكولوجية الضحية المستسلمة؛ فبرغم إدراك هذه الأنظمة أن العدو الإسرائيلي هو من يقف وراء استهدافها، إلا أنها تفتقر للجرأة على اتخاذ موقف، وتفضل الهروب إلى الأمام عبر تبني الرواية الصهيونية.

هذا السلوك يجسد ما وصفه السيد القائد بـ “الخسران والخيبة”، حين يضحي النظام بكرامته ومصالح شعبه لخدمة من يتآمر عليه في العلن، وعبر تصريحات الكثير من المسؤولين الصهاينة، في إطار ما يسمى بمشروع (إسرائيل الكبرى)، وليس في الغرف الصهيونية المغلقة.

ويكمل السيد القائد الصورة عند النظر إلى البعد الاقتصادي لمنظومات الدفاع الجوي التي تبيعها واشنطن لحلفائها الخليجيين بأرقام فلكية؛ فهذه الدول تموّل شراء منظومات باهظة الكلفة من ثرواتها الوطنية، لتجد نفسها في لحظة التصعيد تستخدم تلك المنظومات في حماية قواعد ومقرات أمريكية على أراضيها؛ بينما يبقى القرار العملياتي والبرمجي والتحديث التقني في يد واشنطن.

المفارقة الاستراتيجية اللافتة، أن الحليف العربي يموّل منظومة الردع، لكن هندسة استخدامها تبقى ضمن شبكة السيطرة الأمريكية، ما يحول الأمن الإقليمي إلى جزء من دورة التمويل الصناعي العسكري الأمريكي قبل أن يكون تعبيرًا كاملًا عن سيادة مستقلة؛ إذ باتت تريليونات العرب وقود لمعادلة الاستباحة.

وهُنا يلفت السيد القائد إلى نقطةٍ جوهرية تتعلق بالتمويل، حيث يركز العدو على توفير تريليونات العرب لتعبئة مخازن سلاحه، وهذه التبعية المالية تحول الثروات القومية من أدوات للتنمية إلى وقود لـ “معادلة الاستباحة”، وقبول الأنظمة بهذه المعادلة يعني قبولها بأن تبقى الأمة “مكبلة لا تفعل شيئًا”؛ بينما تُترك يد العدو مطلقة لاستهداف أيّ شعب أو قوة.

وحيال ذلك، يطرح السيد القائد حلّاً لمواجهة هذا الانحدار ليس سياسيًّا فقط، وإنّما هو حلٌّ وجودي يبدأ من التحرر النفسي والثقة بالوعد الإلهي، وينتهي بتوجيه بوصلة العداء نحو العدو الحقيقي للأمة؛ فبينما يهرب الأمريكيون إلى الفنادق في حالةٍ من الذعر، يظهر محور الجهاد والمقاومة كبديلٍ واقعي يمتلك زمام المبادرة.

وبالتالي؛ فإنّ السيد القائد يدعو الأنظمة العربية ألا تتبنى السردية الأمريكية الصهيونية -في ظل التحضيرات الجارية لعقد اجتماع للجامعة العربية الأحد القادم، لصياغة موقف إزاء الأحداث- ويحثها للانتقال من مرحلة التبعية المفرطة إلى مرحلة الانخراط الكامل في “الحرب المفتوحة” ضد العدو الصهيوني ومواجهته؛ لأن هذا هو السبيل الوحيد لاستعادة الكرامة المهدورة، وتحويل الأمة من بنك أهداف إلى قوة فاعلة تفرض معادلاتها الخاصة.

مقالات ذات صلة