
✍بقلم: عبدالله علي هاشم الذارحي
معلوم أن الذكرى السنوية للشهيد ليست مجرد مناسبة سنوية لاستذكار من رحلوا عنا، ولا محطة عاطفية لاستحضار صورهم ومواقفهم؛ إنها موعد متجدّد مع مدرسة إيمانية وإنسانية عظيمة، نستعيد فيها معاني التضحية والوفاء والثبات، ونتأمل ما تركه الشهداء من دروس في الصدق مع الله، والاستعداد لتحمل المسؤولية، والدفاع عن الحق والعزة والكرامة والاستقلال؛ فالشهداء تركوا إرثًا من القيم والمواقف البطولية التي تمنح اليمن القدرة على مواجهة التحديات بما فيها تصعيد العدو السعودي.
لقد منح الله الشهداء الحياة حين قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}، صدق الحق، إنها حقيقة قرآنية تنقل مفهوم حياة الشهيد من حدود الحياة الدنيوية إلى رحاب حياة الخلود الأبدي، كما ان للشهداء منزلة لا تدركها المقاييس المادية المحدودة، قال تعالى: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ}، صدق الله العلي العظيم.
إنها صورة تجسد الطمأنينة والفرح والرجاء، وتكشف عظمة ما أعده الله لمن اتخذهم شهداء، وهم الذين صدقوا في مواقفهم وتضحياتهم العظيمة، وبالتالي يأتي أسبوع الشهيد ليعيد إلى الوعي معنى الصدق الذي جسدته الآية الكريمة: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}، صدق الله العلي العظيم، ونحن من الشاهدين أن الشهادة ليست مجرد حدث في حياة المجاهد، وإنما خاتمة مواقف ومسيرة من الجهاد والثبات، وعنوان للوفاء بالعهد مع الله والشعب والوطن.
وقد ورد عن الرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- قوله: “ما من أحد يدخل الجنة فيحب أن يرجع إلى الدنيا، وأن له ما على الأرض، إلا الشهيد؛ فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة”، وهو حديث يبرز عظمة منزلة الشهيد وما أعد الله له في جنان الخلود من فضل وكرامة.
ومن هذا المنطلق، يؤكد شهيد القرآن -رضوان الله عليه- أن الشهيد ينال الحياة الأبدية التي وعد الله بها عباده الذين قتلوا في سبيله، مستشهدًا بقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
هذه الرؤية القرآنية تجعل الشهادة جزءًا من الوعي بمسؤولية رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وما بدلوا تبديلا؛ لهذا يؤكد السيد القائد على أن الشهداء يمثلون مدرسة نموذجية تجسد قيم الإسلام ومبادئه، وأن تخليد ذكراهم هو اعتراف بعظيم منزلتهم عند الله، والاستفادة من سيرتهم وعطائهم، وتقدير لما أثمرته تضحياتهم من عز وكرامة ونصر لشعبهم وأمتهم.
كما يشدد على أن الوفاء للشهداء مسؤولية الجميع؛ أسرهم ومجتمعهم ومؤسسات الدولة، بما يقتضيه ذلك من رعاية أبناء الشهداء، والوقوف إلى جانب آبائهم وأمهاتهم وأقاربهم، وعدم تركهم يواجهون أعباء الحياة وحدهم.
ولا شك أن الوفاء الحقيقي للشهداء بتحويل هذه الذكرى إلى سلوك عملي، والاقتداء بأخلاق الشهداء في الثقة بالله والتوكل عليه، وفي الصدق والأمانة والإيثار والثبات، وصون كرامة أسرهم، وحفظ حقوقهم، وتربية الجيل على معاني المسؤولية والبذل والعطاء.
كما أن استلهام روح التضحية ينبغي أن يرتبط استمرار مواكب الإباء لحماية اليمن ارضًا وإنسانًا، ومواجهة العدوان، وسيادة القرار، والعمل من أجل حياة يسودها السلام والعدل والأمن والاستقرار.
وفي أسبوع الشهيد، نتوجه بالتحية والتقدير إلى أمهات الشهداء وآبائهم وزوجاتهم وأبنائهم وإخوانهم، وإلى كل أسرة قدمت عزيزًا وصبرت واحتسبت، فهؤلاء شركاء في مسيرة العطاء، يستحقون الرعاية والوفاء والتكريم، لا في موسم الذكرى السنوية للشهيد فحسب، وإنما في كل يوم؛ فسلام الله عليهم ما تعاقب الليل والنهار، ونحن على خطاهم سائرون حتى النصر أو الشهادة، والله على ما أقول شهيد.



