تشريح دبلوماسية التناقض الترامبية

ابراهيم مجاهد صلاح

بينما ينشغل العالم بتحليل العبقرية الإستراتيجية المزعومة خلف تصريحات معتوه البيت الأبيض، يبدو المشهد من منظورنا نحن كـ محور مقاومة أقرب إلى مسرحية هزلية سيئة الإخراج، ترامب لا يدير صراعاً دولياً بمنطق رجال الدولة، بل يدير متجراً للعقارات حيث كل شيء معروض للبيع، والأسعار تتغير كل عشر دقائق وفقاً لمزاج السوق وتغريدات الصباح!

يخبرنا ترامب اليوم أنه سيدمر الطاقة في إيران بعد خمسة أيام، ثم يتذكر فجأة تكاليف الوقود واللوجستيات، فيقرر بعد غدٍ أنه سيعلق التدمير لمدة عشرة أيام ، هل تعرفون لماذا ؟ في السياسة الأمريكية، سعر جزيء البنزين قد يحدد مصير الانتخابات أو الاستقرار الداخلي أكثر من أي صاروخ عابر للقارات. عندما يتحدث ترامب عن تكاليف الوقود واللوجستيات ويطلب الدعم والاسناد، فهو يعترف ضمناً بأن القوة العسكرية الأمريكية ليست مطلقة العنان، بل هي مقيدة بسلاسل الاقتصاد العالمي. بالنسبة لمحور المقاومة، هذا ليس غموضاً إستراتيجياً كما يروج البعض، بل هو اعتراف علني بأن العصا الغليظة التي يلوح بها هي في الحقيقة عصا من قش لا تقوى على مواجهة الميدان

من منظور العلوم السياسية، يحاول ترامب شل حركة إيران عبر وضعها في حالة استنفار دائم واستنزاف مواردها في توقع اللامتوقع، هو يظن أنه من خلال التلويح بتدمير النظام ثم الحديث عن تحرير الشعب، يخلق حالة من الإغاثة النفسية لدى إيران تجبرها على تقديم تنازلات كبرى مقابل تجنب الكارثة

السخرية الكبرى تكمن في مطالبة الأنظمة العربية بحماية القواعد الأمريكية التي وُجدت أصلاً لحمايتهم! إنها دائرة مفرغة من الابتزاز المالي، حيث يتحول التحالف الإستراتيجي إلى عقد شركة أمنية تطلب المعونة من زبائنها. عندما يصبح الشرطي بحاجة لمن يحميه، تبدأ الهيبة الدولية في التآكل، وتتحول الشراكات إلى تفاهمات مؤقتة يسودها الحذر والبحث عن بدائل دولية أخرى.

عام 2025، اعلن ترامب القضاء على البرنامج النووي، وفي 2026 يعود للمطالبة بتدميره مجدداً هذا التناقض الزمني يثبت أن الإدارة الأمريكية تعيش في واقع افتراضي منفصل عن الميدان. لكن إيران، يبدو انها طورت ما يشبه المناعة الدبلوماسية ضد هذا الضجيج الإعلامي، باتت تتعامل مع الأفعال الواقعية فقط، تاركة ساعة ترامب تدق وحدها في فراغ التصريحات

في النهاية، لقد تورطت واشنطن في جغرافيا لا تقبل القسمة على صفقات تجارية، وفي تاريخ لا يُكتب بـ اللايكات. لقد أثبتت التجربة أن التناقض حين يصبح هو الثابت الوحيد، فإنه لا يربك الخصوم بقدر ما يعري عجز القوة العظمى عن فرض إرادتها

مقالات ذات صلة