
بقلم: عبدالقادر المنصوب
في صفحات التاريخ الإسلامي محطاتٌ مضيئة، لكن أشدها ضياءً وأعمقها دلالة هي صفحة “غدير خُمّ”. هناك، حيث التقت رمال الصحراء بآفاق السماء، نزل الأمر الإلهي الحاسم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾.
لم يكن الغدير صدفة طريق، ولا مصادفة عابرة في الزمان؛ بل كان تتويجاً لرسالة استمرت ثلاثة وعشرين عاماً من التبليغ والجهاد. أراد الله أن يضع حجر الزاوية لصرح الدين؛ فما قيمة بناءٍ بلا أساس؟ وما معنى رسالةٍ بلا إمامٍ يحفظ مكنونها ويصون مسيرتها؟
في الغدير تجلت حكمة السماء؛ فلم يترك النبي صلى الله عليه وآله، أُمّته هملاً، بل أقام لها عَلَماً وإماماً. لم يكن اختيار علي بن أبي طالب لقرباه فحسب، بل لكونه “نفس” رسول الله بنص القرآن الكريم في آية المباهلة: ﴿وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾. اختاره لأنه تجسيدٌ للصدق حين يفتقد الناس الصدق، والعدل حين يجور الحكام، والزهد حين يتهافت الطامعون على حطام الدنيا.
إن الاحتفاء بالغدير ليس احتفاءً بشخصٍ بقدر ما هو احتفاءٌ بمبدأٍ جوهري؛ مبدأ أن الأمة لا تُترك بلا قائد، وأن الحق لا يبقى بلا حامٍ. الغدير رسالةٌ خالدة لكل جيل: أن الولاية مسؤولية، وأن البيعة التزامٌ أخلاقي وعقدي، وأن طريق علي هو طريق النجاة والعدل.
– دورنا في ظل القيادة القرآنية: من الولاية إلى المسؤولية
إن احتفاءنا اليوم بالغدير في ظل قيادةٍ قرآنية واعية ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو استحضارٌ لواقعٍ حيّ يفرض علينا استحقاقاتٍ كبرى:
على المستوى الروحي والفكري: أن نكون امتداداً لمنهج عليٍّ في الوعي والبصيرة، وأن نتحصن بالثقافة القرآنية التي تحمينا من الانحراف وتجعلنا في صف الحق مهما بلغت التحديات.
_ على المستوى الجهادي والميداني: أن نُترجم بيعة الغدير إلى “فعلٍ” في ميدان المواجهة مع الباطل، فالمجاهد الذي يحمل روحية “علي” هو الذي يرى في جهاده دفاعاً عن حياض الدين، ووفاءً للعهد الذي قطعه النبي ﷺ في الغدير.
– على مستوى خدمة الأمة:
إنَّ “الولاية” في جوهرها خدمةٌ للأمة، وحمايةً لمستضعفيها، والعمل على توحيد صفوفها؛ فدورنا المستقبلي هو بناء مجتمعٍ يأبى الضيم، ويحمل لواء العدل، ويستعد لتحمل أمانة الاستخلاف في الأرض، لنكون أمةً شاهدةً لا تقبل بالتبعية، بل تصنع قرارها بعزةٍ وإباء.
إن طريقنا اليوم هو استمرارٌ لخط الغدير، وكلما اشتدت الأزمات، تزداد بصيرتنا بأن القيادة القرآنية هي طوق النجاة، وأن جهادنا هو الضريبة التي ندفعها صوناً لهذه الأمانة، لتبقى “راية الولاية” خفاقةً في وجه طغاة الأرض.
فطوبى لمن تمسك بالعروة الوثقى، وطوبى لمن جعل من نداء الغدير بوصلة لروحه، مردداً بيقين: “رضيت بعليٍّ إماماً وولياً”.
“فمن كنت مولاه، فهذا عليٌّ مولاه”.



