الأخبارالأخبار الدوليةالأخبار المحليةالصورتقارير وحواراتمتابعات

الردع اليمني يضرب مفاصل الاقتصاد السعودي وقواعده العسكرية.. خبراء يكشفون أزمة خيارات الرياض

تتسع معادلات الردع اليمنية مع انتقال العمليات العسكرية النوعية إلى نطاق جغرافي واستراتيجي يضع المنشآت النفطية والمطارات والقواعد العسكرية والمنظومات الرادارية والبحرية السعودية تحت ضغط متواصل، ما يضع النظام السعودي أمام سلسلة مركبة من الأزمات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية.

وبعد ست عمليات نوعية للقوات المسلحة في العمق السعودي من ينبع على الساحل الغربي للمملكة إلى حقل الشيبة في المنطقة الشرقية، مروراً بالرياض والمواقع العسكرية في الجنوب، فإن هذا الامتداد من الردع يؤكد  قدرة القوات المسلحة اليمنية على تنويع الأهداف وتوزيع الضغط على قطاعات متعددة، بما يضع منظومات الدفاع الجوي أمام تحديات متزامنة، ويزيد كلفة استمرار العدوان والحصار السعودي.

وفي الوقت الذي تحاول فيه السعودية البحث عن دعم خارجي لتعويض استنزاف منظوماتها الدفاعية، تتواصل العمليات اليمنية بوتيرة يصفها خبراء بأنها قابلة للاستمرار والتصاعد، مستندة إلى تراكم الخبرة في إدارة المعركة وتطوير الصواريخ والطائرات المسيرة وتحسين دقة الاستهداف.

وتتجاوز تداعيات هذه العمليات الجانب العسكري إلى الاقتصاد والثقة بالبيئة الاستثمارية، مع تعطل المطارات وتعرض منشآت النفط والاستثمارات الاستراتيجية للتهديد.

وبينما يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد عمر معربوني أن تراكم الضربات قد يقود إلى أزمة اقتصادية وعسكرية متفاقمة، يركز المحلل السياسي طالب الحسني على ارتباط العمليات بمعادلة “التصعيد بالتصعيد” و”كسر الحصار”، فيما يشرح الخبير الاقتصادي رشيد الحداد الأهمية الاستراتيجية لحقل الشيبة وينبع وأرامكو، والتأثير المحتمل لاستهدافها على الإنتاج والتصدير والميزانية السعودية.

 

استهداف الرادارات وتعقيد عمل الطيران:

وهنايرى العميد عمر معربوني أن العمليات اليمنية لا تزال في مرحلتها الأولى، وأن معادلة التصعيد بالتصعيد أبقت الاستهدافات مركزة بصورة أساسية على الأهداف العسكرية والاقتصادية، وفي مقدمتها المطارات والمنشآت النفطية.

ويوضح أن استهداف الرادارات السعودية يهدف إلى تقليص القدرة على متابعة الصواريخ المتجهة إلى المملكة، وتعقيد مهمة الطيران الحربي الذي يعتمد على الرادارات في توجيه حركته ومتابعته، مشيراً إلى أن إصابة الرادارات في جبلي الحصن والرحمة، وفي قاعدة خميس مشيط الجوية، إضافة إلى الرادار في بئر عسكر، جاءت مباشرة وعلى مراحل، بما حمل دلالات عسكرية تتجاوز تدمير منشأة منفردة إلى التأثير في منظومة الرصد والمتابعة.

ويؤكد معربوني أن إصابة هدف واحد في مراحل متعددة تعكس مستوى من الاستعلام الاستخباري اليمني، لأن العمليات العسكرية ترتبط بالقدرة على جمع المعلومات ومتابعة الأهداف وتحديد تفاصيلها، سواء كانت تجمعات عسكرية متحركة أو منشآت اقتصادية ثابتة.

ويضيف أن استهداف المطارات والمنشآت النفطية يستند إلى معرفة تفاصيلها ومتابعة الإجراءات اليومية المرتبطة بها، وهو ما جعل تكرار استهداف مطار الرياض ثلاث مرات في يوم واحد، إلى جانب استهداف مطارات أخرى، عاملاً في إبقائها تحت الضغط وإطالة فترات الإغلاق أو تقليص نشاطها.

ويربط معربوني بين هذه الضربات وبين حالة الارتباك التي تعيشها السعودية، مشيراً إلى أن استمرار استهداف المطارات يؤدي إلى تعقيد حركة الطيران، فيما يخلق تكرار الضربات حالة من التوتر وعدم الاستقرار، خصوصاً مع القرارات التي تتخذها شركات الطيران وتحذيرات بعض الدول لمواطنيها من السفر إلى المملكة.

استهداف القوات البحرية والمنظومات الرقابية يضاعف مأزق الرياض:

وفي سياق استهداف القوة العسكرية للعدو السعودي، يؤكد معربوني أن استهداف معسكر قوة الواجب البحرية السعودية يحمل دلالة مرتبطة بالقدرة على العمل في البحر الأحمر، موضحاً أن القوات البحرية معنية بالساحل والعمليات البحرية، وأن الضغط عليها يحد من قدرتها على التحرك في هذا النطاق، مضيفاً أن القوات المسلحة اليمنية وضعت المطارات والقواعد البحرية على الساحل الغربي للبحر الأحمر تحت الضغط، معتبراً ذلك تطوراً مهماً في مسار المواجهة.

وينوّهإلى أن استهداف الرادارات والقواعد الجوية والبحرية، إلى جانب التحشيدات البرية، يجعل المأزق السعودي أكثر تعقيداً، ويفرض ضغوطاً على مختلف مكونات المنظومة العسكرية، بدلاً من حصر التأثير في هدف واحد.

كما يلفت إلى أن السعودية لا تزال تمتلك دفاعات جوية، لكنها استنزفت كميات من صواريخ الاعتراض، ما دفعها إلى البحث عن إمدادات من دول أخرى.

ويذكر أن مصر قدمت أربعين صاروخاً للدفاع الجوي، إلى جانب مساعي السعودية للحصول على دعم من اليونان وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى.

ويربط معربوني هذا الاستنزاف باستخدام صواريخ الدفاع الجوي في التصدي للصواريخ الإيرانية التي استهدفت قواعد أمريكية والكيان الإسرائيلي، معتبراً أن السعودية باتت تدفع ثم

ن استنزاف هذه المخزونات، بالتزامن مع تصاعد العمليات اليمنية.

دقة الصواريخ وتراكم الخبرة العسكرية:

وفي سياق متصل،يرى معربوني أن دقة الصواريخ اليمنية تمثل عاملاً أساسياً في تفسير نتائج العمليات، مشيراً إلى أن وصول الصواريخ إلى أهدافها من دون إنذار يعكس مستوى متقدماً من القدرة على تجاوز منظومات الرصد والدفاع.

ويضيف أن من استطاع إيصال صواريخ إلى فلسطين المحتلة على مسافة تقارب 2100 كيلومتر يستطيع الوصول إلى أهداف على مسافات أقصر، وأن الصواريخ متوسطة المدى المصنعة محلياً تمثل جزءاً مهماً من القدرات المتاحة للقوات المسلحة اليمنية.

ويعتبر أن تنفيذ ست عمليات عسكرية نوعية واستخدام عدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والصواريخ المجنحة خلال 48 ساعة يظهر قدرة القوات المسلحة اليمنية على الاستمرار بوتيرة عملياتية محددة، مع وجود مخزون معتبر من وسائل الهجوم.

ويربط هذه القدرة بتطور هيئة التصنيع العسكري، وتراكم الخبرة في إدارة العمليات، واستخدام الأسلحة المتاحة بأساليب تتناسب مع طبيعة المعركة الحديثة، مشيراً إلى أن الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة والصواريخ فرط الصوتية غيّرت كثيراً من مفاهيم المواجهة.

ويصف تجربة القوات المسلحة اليمنية بأنها أصبحت مدرسة متكاملة، تشمل التصنيع وتطوير الأسلحة وإدارة العمليات والدفاع الجوي، مستشهداً بإسقاط طائرات متقدمة، من بينها إف-15 والتايفون، بوصفه مؤشراً على تعقيد عمل الطيران السعودي.

 

المطارات والمنشآت النفطية تحت ضغط متواصل:

وفي السياق، تتوزع الأهداف الاقتصادية التي تناولها الخبراء بين المطارات والمنشآت النفطية ومراكز الإنتاج والتصدير، في وقت يرى فيه معربوني أن تراكم الضربات يومياً سيؤدي إلى تداعيات متزايدة على الاقتصاد السعودي وعلى قدراته العسكرية.

ويلفت إلى أن الاستهدافات الاقتصادية لم تقتصر على إحداث أضرار مادية مباشرة، بل طالت قدرة المنشآت على الإدارة والإنجاز والتصدير، وهو ما يجعل تأثيرها ممتداً إلى النشاط الاقتصادي المرتبط بها.

وهنا يتوقف الخبير الاقتصادي رشيد الحداد عند استهداف حقل الشيبة النفطي، معتبراً أن موقعه وأهميته الإنتاجية وشبكة الأنابيب المرتبطة به تمنح العملية دلالات استراتيجية، موضحاً أن الحقل يقع بالقرب من الحدود الإماراتية، وعلى مسافة تتجاوز 1700 كيلومتر عن اليمن، وأن استهدافه بالصواريخ الباليستية يؤكد اتساع نطاق الأهداف التي تستطيع القوات المسلحة اليمنية الوصول إليها.

ويبيّن الحداد أن حقل الشيبة يرتبط بشبكة أنابيب تمتد باتجاه المنطقة الشرقية ورأس تنورة، وأن تعطيل الإنتاج أو النقل فيه يمكن أن ينعكس على منظومة النفط السعودية، لا على الحقل وحده، مضيفاً أن استهدافه وضع بقية الحقول والمنشآت النفطية أمام احتمال تعرضها للضربات، بما فيها منشآت أرامكو في المناطق الشرقية والغربية.

ويشير إلى استهداف منشأة أرامكو في جيزان، التي قال إنها تنتج نحو 400 ألف برميل يومياً، وإلى استهداف منشآت أخرى في ينبع ومصفاة رابغ ومصفاة الرياض وجدة ومجمعات مركزية في المنطقة الشرقية.

ويرى الحداد أن استهداف هذه المنشآت يضع البنية النفطية السعودية ضمن دائرة الضغط المباشر، ويهدد الإنتاج والنقل والتصدير، بما ينعكس على الميزانية العامة وعلى قيمة أرامكو وثقة الأسواق بقدرتها على الحفاظ على مستويات إنتاجها واستمرار عملياتها.

حقل الشيبة وينبع وأثرهما على النفط السعودي:

وفي سياق متصل،يركز الحداد على الأهمية الاقتصادية لحقل الشيبة، مشيراً إلى أنه من أكبر حقول المملكة من حيث الإنتاج والاحتياطيات، وأن استهدافه على مراحل وبأعداد كبيرة من الصواريخ الباليستية، بحسب ما ورد في حديثه، ألحق أضراراً بعمليات الإنتاج والنقل باتجاه رأس تنورة.

ويتطرق إلى أن استهداف ينبع يحمل دلالات مماثلة، نظراً إلى موقعها الصناعي والنفطي، إذ تضم منشآت ومرافق استثمارية وميناءً استراتيجياً ومصافي نفطية تنتج، وفق الأرقام التي أوردها، نحو 400 ألف برميل يومياً من المنتجات البترولية، إلى جانب مرافق لمعالجة الغاز.

ويجزم بأن تكرار الاستهدافات في ينبع، إلى جانب حقل الشيبة والمنشآت الأخرى التابعة لأرامكو، يهدد قدرة السعودية على تصدير النفط ونقل المنتجات البترولية إلى الأسواق الدولية، ويزيد الضغوط على شركة أرامكو التي قدّر قيمتها بأكثر من 680 مليار دولار.

وينوّه الحداد إلى أن الأضرار التي تصيب هذه المنشآت لا تتوقف عند الخسائر المادية، بل تمتد إلى الأسهم والثقة بالاستثمارات، لأن قيمة الشركة وقدرتها على جذب الاستثمارات ترتبطان بأمن منشآتها واستمرار الإنتاج والتصدير.

بدورهيركز المحلل السياسي طالب الحسني على اتساع النطاق الجغرافي للعمليات اليمنية، من ينبع غرباً إلى حقل الشيبة شرقاً، وصولاً إلى الرياض والمناطق الجنوبية، معتبراً أن هذه الخريطة تعكس قدرة اليمن على استهداف أهداف اقتصادية وعسكرية متباعدة.

ويوضح أن العمليات استهدفت أرامكو

والمطارات والقواعد والرادارات والقوة البحرية السعودية، وأن هذا التنوع يعمق الأزمة السعودية ويضع منشآت حيوية تحت الضغط.

ويشير الحسني إلى أن السعودية واصلت البحث عن مساعدات خارجية، بعد تحركات شملت فرنسا واليونان ومصر والإمارات، لكنه رأى أن هذه الجولة من البحث عن الدعم لا تكفي لإنقاذها من تداعيات العمليات اليمنية أو معالجة أزمتها العسكرية.

كما يلفت إلى أن استهداف حقل الشيبة حمل دلالة إضافية بسبب النزاع السعودي الإماراتي حول المنطقة، معتبراً أن وصول الضربات إلى هذه المواقع يعزز الضغط على السعودية في عمقها الاقتصادي.

ويربط الحسني بين هذه العمليات ومعادلتي “كسر الحصار” و”التصعيد بالتصعيد”، موضحاً أن استهداف منشآت النفط وقدرة التصدير يأتي ضمن سلسلة من العمليات التي تهدف إلى الضغط على السعودية حتى تتراجع عن حصار اليمن وعدوانها.

كلفة اقتصادية تتجاوز الأضرار المباشرة وأزمة تحالفات تعمّق المأزق:

ويؤكدالحسني أن التداعيات الاقتصادية للعمليات لم تعد مقتصرة على المنشآت التي تعرضت للاستهداف، بل امتدت إلى النشاط الاستثماري والسياحي والفعاليات التي كانت السعودية تعتزم تنظيمها، مشيراً إلى أن السعودية حاولت إظهار أن الوضع الداخلي طبيعي، لكنه يرى أن إلغاء وتأجيل بعض البرامج والفعاليات، إلى جانب المخاوف المرتبطة بأمن المطارات والمنشآت، كشفا صعوبة الحفاظ على هذه الصورة.

ويضيف أن العمليات اليمنية فرضت تكلفة متزايدة على السعودية، لأن كل غارة أو عملية عسكرية تنفذها ضد اليمن تقابلها، وفق معادلة التصعيد بالتصعيد، كلفة على أهداف داخل المملكة.

ويرى أن ذلك يختلف عن مراحل سابقة من العدوان على اليمن، عندما لم تكن كلفة التدخل السعودي بالمستوى الذي وصلت إليه حالياً، معتبراً أن استمرار العمليات اليمنية يضاعف الضغوط على الرياض ويحد من قدرتها على مواصلة الحرب بالوتيرة نفسها.

وفي سياق متصل،يرى الحسني أن السعودية راهنت على التحالفات الخارجية والبحث عن مزيد من الدعم، معتقدة أن ذلك سيؤدي إلى خفض العمليات اليمنية، لكنه يؤكد أن هذه التحالفات لم تقدم حتى الآن، في تقديره، ما يكفي لتغيير مسار المواجهة.

وينوّه إلى وجود مساعدات أمريكية وإسرائيلية للسعودية، مؤكداً أن ذلك لم يؤد إلى تغيير حاسم في المعادلة العسكرية.

ويشدّد على أن السعودية لا تملك بنك أهداف مجدياً في اليمن، وأن استهداف الأعيان المدنية لا يحقق لها الأهداف العسكرية التي تسعى إليها، في مقابل امتلاك اليمن أهدافاً متعددة يمكن أن يؤدي استهدافها إلى أضرار واسعة داخل المملكة.

 

هل تدفع الضربات السعودية إلى وقف العدوان؟:

إلى ذلك،يرى الحسني أن السعودية تواجه معضلة في اتخاذ قرار وقف العدوان على اليمن، لأن كلفة الاستمرار ارتفعت، بينما أصبحت كلفة التوقف أكبر مما كانت عليه في مراحل سابقة.

ويبيّن أن الرياض ربما راهنت على استنزاف اليمن بفعل العمليات العسكرية والضغط على الجبهات التي تديرها أدواتها داخل البلاد، كما راهنت على عودة الولايات المتحدة إلى التدخل المباشر أو على تغيرات إقليمية قد تفتح مساراً جديداً للمواجهة،لكنه يؤكد أن السعودية لن تستطيع الاستمرار طويلاً في الظروف الراهنة وبوتيرة التصعيد نفسها، مشيراً إلى أن الخروج من الحرب أصبح أكثر كلفة مع تراكم الخسائر العسكرية والاقتصادية وتداعياتها على المعسكرات والقوى المرتبطة بالرياض داخل اليمن.

ويضيف  أن السعودية كانت تستطيع، في مراحل سابقة، تجنب الوصول إلى هذا المستوى من المواجهة عبر معالجة الاستحقاقات اليمنية، إلا أن استمرارها في التصعيد جعل الخيارات المتاحة أمامها أكثر تعقيداً.

وبالمعطيات الميدانية، يخلص الخبراء معربوني والحسني والحداد إلى أن السعودية تواجه ضغوطاً متداخلة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وأن استمرار الضربات يرفع كلفة التصعيد ضد الشعب اليمني ويضع النظام السعودي أمام أزمات تشتد أكثر باستمرار العدوان والحصار.

مقالات ذات صلة