الأخبارالأخبار الدوليةالأخبار المحليةالصورمتابعات

تحول تاريخي في الانتخابات النصفية الأمريكية.. ما انعكاسات هزيمة ترمب على الكيان الصهيوني؟

تهامة نيوز| متابعات: شكلت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت بالأمس، محطة مفصلية غير مسبوقة في تاريخ العمل السياسي المؤسسي في الولايات المتحدة، حيث طرحت هذه الانتخابات تساؤلات جوهرية حول طبيعة التحولات الجارية في المزاج الشعبي الأمريكي، ومدى قدرة التيارات التقدمية والليبرالية الأمريكية للجيل الأمريكي الجديد، وتحديداً تلك الداعمة للحقوق الفلسطينية ومجتمعات الأقليات، على كسر احتكار المؤسسات التقليدية للقرارين التشريعي والتنفيذي.

لقد وضعت النتائج مستقبل النفوذ المطلق للوبي الصهيوني وجماعات الضغط، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (“أيباك”)، على محك اختبار حقيقي، فلم يعد الصراع العربي الصهيوني، وتحديداً القضية الفلسطينية، ملفاً خارجياً بعيداً عن دائرة اهتمام الناخب الأمريكي؛ إذ نجح “طوفان الأقصى” وتداعياته الإنسانية والسياسية في إعادة صياغة النقاش العام داخل الجامعات، والنقابات، والمنتديات والشارع الأمريكي، وصولاً إلى قبة الكونغرس.
وأسفرت الانتخابات النصفية الأمريكية عن صعود تاريخي لعدد من الشخصيات والقيادات التي رفعت لواء الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ورفضت سياسات الدعم المطلق لجرائم الاحتلال في غزة، ففي ميتشغن، سجل الطبيب والناشط التقدمي عبد الرحمن السيد انتصاراً تاريخياً بفوزه بمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميتشغن، ليصبح أول سيناتور مسلم وعربي في تاريخ البلاد، وقد جاء هذا الفوز ليتحدى حملات تشويه شرسة استهدفت هويته ومواقفه العلنية التي وصفت العمليات العسكرية الصهيونية بالإبادة الجماعية، وتأكيده أن الخطاب المناهض لسياسات العدو الإسرائيلي أصبح قابلاً للنجاح في السباقات الفيدرالية التنافسية.
وقد تمكن الجراح الأمريكي من أصل مصري، آدم حماوي، من الفوز بمقعد مجلس النواب عن الدائرة 12 في ولاية نيوجيرسي، واستندت حملته إلى رصيد أخلاقه الإنسانية بعد أن تطوع لعامين كاملين في مستشفيات قطاع غزة وسط ظروف الإبادة، فضلاً عن قيادته للاحتجاجات المناهضة لزيارة مجرم الحرب بنيامين تنياهو إلى واشنطن، و قد جسد وصول حماوي إلى الكونغرس تحولاً نوعياً في نقل معاناة الميدان الفلسطيني إلى مركز صناعة القرار التشريعي.
كذلك الحال مع الناشطة الفلسطينية الأمريكية عبير قواس التي فازت بمقعد في مجلس شيوخ ولاية نيويورك عن الدائرة الثانية عشرة، كأول امرأة فلسطينية محجبة تصل إلى هذا المنصب التشريعي، مترجمة برامجها الداعمة للعدالة الاجتماعية ورفض تمويل حروب الدمار إلى مكاسب انتخابية حقيقية.
وتجاوز التأثير حد الانتخابات الفردية ليشمل التحولات القاعدية العميقة؛ حيث شهدت “أوك بارك” في ولاية إلينوي تصويتاً ساحقاً بلغت نسبته نحو 65.36% لصالح استفتاء استشاري يطالب بإلغاء القوانين التي تحظر استثمار أموال الدولة في الشركات المقاطعة لكيان الاحتلال. وتعكس هذه النتيجة رغبة متنامية لدى القواعد الشعبية في استخدام أدوات الضغط المالي والاقتصادي لمحاسبة الشركات المتواطئة في انتهاكات حقوق الإنسان داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي.
 
سقوط الزعامات التقليدية
 
شهدت خارطة القوى الحزبية التقليدية في الولايات المتحدة تداعيات كبيرة على الحزب الجمهوري ومعسكر رئيس أمريكا دونالد ترامب، إلى جانب تراجع وطأة سيطرة قيادات المؤسسة الكلاسيكية في الحزب الديمقراطي.
بالنسبة للحزب الجمهوري مُني بانتكاسة واسعة أدت إلى فقدان سيطرته على غرفتي الكونغرس (النواب والشيوخ)، حيث ضمن الديمقراطيون أغلبية مريحة في الشيوخ وتجاوزوا عتبة النصف في مجلس النواب. وجاءت هذه الخسارة نتيجة مباشرة لرفض الناخبين للسياسات الاقتصادية المتأزمة والوعود غير الواقعية التي روج لها معسكر ترامب.
فيما يخص حلفاء ترامب، فقد خسرت الشخصيات التي حظيت بتأييد مباشر وشخصي من ترامب في عدة معاقل تاريخية للجمهوريين مثل تكساس، كارولاينا الجنوبية، أوهايو، وكانساس، واعتبر المراقبون هذا السقوط بمثابة “انهيار حزب الرئيس”، مما يفتح الباب أمام مرحلة من التصدع العميق داخل اليمين الأمريكي.
وتمثل هذه الولايات نماذج حية لـ”الزلزال الانتخابي” الذي ضرب معاقل اليمين التقليدي وقواعد الحزب الجمهوري خلال انتخابات التجديد النصفي، حيث سقطت قلاع سياسية ظلت لعقود طويلة محسوبة حصرياً على اليمين الأمريكي. في ولاية تكساس وهي قلعة الجمهوريين التاريخية، كسر المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو (طالب اللاهوت المشيخي) احتكار الجمهوريين المستمر منذ عام 1988، ليصبح أول ديمقراطي يُرسل من تكساس إلى مجلس الشيوخ الأمريكي. وقد أطاح بالمرشح الذي اختاره ترامب والمثير للجدل، المدعي العام للولاية كين باكستون، متجاوزاً مئات ملايين الدولارات التي ضخها الجمهوريون ورجل الأعمال إيلون ماسك لدعم اليمين.
وفي ضربة مزدوجة ومؤلمة للجمهوريين، أطاحت الديمقراطية جينا هينوجوسا بالحاك

م الجمهوري المخضرم غريغ أبوت (الذي شغل المنصب لثلاث ولايات)، لتصبح أول حاكمة ديمقراطية لتكساس منذ عام 1990، وأول امرأة من أصول لاتينية تتبوأ هذا المنصب، وهو مؤشر على رفض صارخ لسياسات الترحيل الجماعي والأزمات الاقتصادية التي تسبب بها المجرم ترامب.
وفي ولاية كارولاينا الجنوبية، شهدت الولاية المحافظة بشدة صدمة كبرى بفوز طبيبة الأطفال الديمقراطية آني أندروز على مرشحة الجمهوريين دارلين غراهام (شقيقة الصهيوني الراحل ليندسي غراهام)، والتي قام ترامب بترشيحها وتقديمه الدعم الشخصي المكثف لها لملء مقعد شقيقها. ورغم ذلك، أسفرت هذه المواجهة عن إرسال ولاية كارولاينا الجنوبية ديمقراطياً إلى مجلس الشيوخ لأول مرة منذ عام 1998، في دليل قاطع على تصدع الحاضنة الشعبية لليمين.
أما في ولاية كانساس، فقد تحولت هذه الولاية التي كانت حتى وقت قريب بعيدة المنال عن أي منافسة ديمقراطية جادة، إلى مسرح لسقوط القيادات التقليدية؛ حيث أصبح القس آدم هاميلتون أول ديمقراطي يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي عن الولاية منذ 94 عاماً، مطيحاً بالسناتور الجمهوري شاغل المنصب روجر مارشال، والذي واجه غضباً شعبياً واسعاً بسبب سياساته.
ومُني معسكر ترامب بضربة مزدوجة في ولاية أوهايو؛ فإلى جانب سقوط مقعد مجلس الشيوخ لصالح الديمقراطيين بعد خسارة حلفاء الإدارة، فشل المرشح المدعوم من ترامب فيفيك راماسوامي في الفوز بمنصب حاكم الولاية أمام المرشحة الديمقراطية إيمي أكتون، وسط إفلاس الحملات اليمينية التي اعتمدت على إثارة الانقسامات.
والواقع أن هذا الانهيار المتسارع في معاقل حية مثل تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية وأوهايو لم يكن مجرد خسارة عادية لمقاعد برلمانية، بل عُدّ بمثابة “انهيار حزب الرئيس” وتصدع بنيوي في جدار اليمين التقليدي، حيث عاقب الناخبون سياسات الاستقطاب الاقتصادي وفاتورة الأزمات الخارجية، وهو ما فتح الباب أمام أزمة ثقة حقيقية وانقسامات واسعة داخل الصف الجمهوري.
  
والأكيد أن الهزيمة الانتخابية لم تقتصر على الجمهوريين، بل امتدت لتشمل القيادات التقليدية داخل الحزب الديمقراطي (مثل الدعم المباشر الذي تلقته هايلي ستيفنز من تشاك شومر في ميشيجان)، حيث أثبت التيار الليبرالي والتقدمي قدرته على كسر احتكار القيادات التقليدية لمقاليد الأمور، وحتى في وجود المال الصهيوني وتأييد القيادات التقليدية البارزة.
وبجانب هذا السقوط كان هناك سقوطاً واضحًا للوبي الإسرائيلي وجماعات الضغط الصهيونية، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، إذ أنفقت “أيباك” ولجانها المرتبطة مبالغ قياسية (أكثر من 30 مليون دولار لمحاولة هزيمة عبدالرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية لوحدها، وملايين أخرى لدعم خصومه في الانتخابات العامة، فضلاً عن إنفاق ضخم في دوائر أخرى)، إلا أن هذه الأموال تبخرت وانتهت إلى حالة من الفشل الذريع مع صعود أكثر من 18 نائبًا جديدًا مؤيدًا للقضية الفلسطينية، وتحول اللوبي إلى عبء “سام”، حيث انعكست نتائج ولاية ميشيجان وسائر الولايات لتأكيد أن الدعم المطلق للاحتلال الإسرائيلي ومحاولات شراء الذمم السياسية عبر ضخ الأموال لم تعد حصناً منيعاً، بل باتت ورقة خاسرة تكشف تآكل التأثير الأعمى للسياسات الإسرائيلية داخل الشارع الأمريكي.
 
حرب إيران وهزيمة ترامب
لا ننسى كيف لعب العامل الإقليمي والاقتصادي دوراً حاسماً في إعادة تشكيل خريطة الكونغرس، باستحضار تداعيات الحرب على إيران ومضيق هرمز، فقد أدت الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي ضد إيران إلى إغلاق مضيق هرمز من قبل طهران، وبروز تداعياته في أزمة طاقة عالمية وارتفاع حاد وغير مسبوق في أسعار النفط والسلع والبنزين داخل الأسواق الأمريكية والأوروبية على وجه الخصوص. وقد انعكست هذه الأزمة على كل بيت أمريكي، حيث استغل الديمقراطيون هذا الملف لكسر حزب الرئيس. وقد اضطر ترامب لاحقاً للاعتراف بهذا التأثير قائلاً: “أعتقد أن جزءاً من خسارة الانتخابات كان بسبب حرب إيران. وفي المقابل، رحبت طهران بالنتائج على لسان رئيس برلمانها محمد باقر قاليباف، معتبرة أن “الأمريكيين قالوا لا للحرب”.
 
سخط كبير داخل الكيان المحتل
ولم تكن نتائج الانتخابات النصفية مجرد حدث سياسي عابر في واشنطن، بل كانت بمثابة صاعقة دوت في أروقة تل أبيب، حيث عاشت الدوائر السياسية والإعلامية الإسرائيلية ساعات من الهلع والصدمة العمياء أمام زلزال كان متوقعًا مع قياس الجو الشعبي الأمريكي.
وفي قراءة لهذا المخاض، دقت الصحافة العبرية ناقوس الخطر بلهجة غير مسبوقة؛ فأكدت صحيفة “هآرتس” أن فوز عبدالرحمن السيد المدوي رغم إمبراطورية المال التي حركتها “أيباك” لصالح منافسته الديمقراطية التقليدية أولًا ثم لصالح مناسفه الأخير، يثبت بشكل ساطِع أن معارضة السياسات الإسرائيلية لم تعد بأي حال عائقاً أمام حصد الانتصارات في السباقات الفيدرالية الكبرى بل أن العكس صار هو معيار الفوز.
وفي

السياق ذاته، حذرت صحيفة “جيروزاليم بوست” من أن هذه النتائج تفضح تحولات عميقة في بنية الحزب الديمقراطي تجاه “إسرائيل” وحرب إيران، معتبرة أن تدفق المنتقدين للكيان إلى مراكز صنع النفوذ هو واقع استراتيجي صارخ لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه، بينما أقرت “القناة الرابعة عشرة” الصهيونية بأن ما جرى هو “ضربة قوية لترامب وإسرائيل” على حد سواء.

وامتد الحدث ليفجر غضباً عارماً في صفوف الساسة الإسرائيليين؛ حيث صب زعيم المعارضة يائير لابيد جام غضبه على حكومة المجرم نتنياهو، متهماً سياساتها الرعناء بتعريض أمن الكيان لخطر الوجود وتعميق عزلته العالمية حتى وصلت الأمور إلى حد التحذير المرير بأن هذه السياسات “ستسحقنا في العالم”. وتناغم معه يائير غولان محذراً من أن التشبث بنهج الحكومة الحالية سيدفع بـ”إسرائيل” بخطى متسارعة نحو حافة العقوبات الدولية الساحقة والصدام الحتمي المباشر مع الحليف الأمريكي الأكبر.
كما قال المحلل السياسي اليميني كوبي باردا من معهد السياسات اليهودية إن إيران كانت “الفائز الكبير” في الانتخابات الأمريكية، بينما كان نتنياهو “الخاسر الكبير”، حيث لا يجب أن يكون هو وجه الحكومة “الإسرائيلية” بعد الآن”، مشيراً إلى عدم شعبيته في الولايات المتحدة. بينما حذر مايكل أورين، وهو دبلوماسي صهيوني سابق، من أن انتصارات أشخاص مثل عبدالرحمن السيد، الذي وصفه بأنه “مرشح معادٍ لإسرائيل بشدة” و”معادٍ للسامية”، قد تؤدي إلى عواقب وخيمة على كيان الاحتلال. وقد أشار إلى أن “وقف المساعدات العسكرية عن الكيان الغاصب قد يكون مجرد بداية”، قائلاً إن تبادل المعلومات الاستخباراتية والأنظمة العسكرية مع الولايات المتحدة، وتأشيرات الدخول للإسرائيليين، وإمدادات المكونات العسكرية الأساسية، كلها باتت الآن في خطر. وأضاف أن فرض عقوبات أمريكية على إسرائيل بات احتمالاً وارداً أيضاً.
وتابع في تعبير عن حالة التشاؤم التي تخيم على الكيان “وهكذا، تنتهي حقبة نصف قرن في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، كما عرفناها”، مضيفاً أن “ما يخبئه المستقبل يكتنفه الغموض”
 
تحول المزاج الشعبي الأمريكي
لقد عكست هذه العاصفة الانتخابية تحولات في عمق المزاج الشعبي الأمريكي، حيث تحول الثقل السياسي بوضوح نحو برامج العدالة الاجتماعية وتوفير الرعاية الصحية ورفض تمويل الحروب الخارجية العبثية التي تسرق لقمة عيش المواطنين الأمريكيين. وفي قلب هذا المخاض، تآكلت السطوة الصهيونية المطلقة وسقطت أسطورة “أيباك” واللوبيات المهيمنة بعد أن سقطت الأموال الطائلة صريعة أمام إرادة الناخبين الواعية. وتزامن ذلك مع مأسسة حقيقية للتيار التقدمي عبر صعود جيل جديد من القيادات ذات الأصول العربية والمسلمة والمهمشة إلى مفاصل صنع القرار في الكونغرس وهيئات الولايات، لتتداعى تدريجياً الأحادية الحزبية التقليدية وتتفكك السيطرة الكلاسيكية لصالح تيارات ليبرالية وتقدمية وغيرها ممن ترفض الهيمنة العسكرية والاستبداد الداخلي، معلنة ميلاد مرحلة جديدة تتشارك فيها تطلعات الداخل الأمريكي مع ضرورة سقوط هيمنة المشروع الصهيوني.

مقالات ذات صلة